مجزوءة الفلسفة
· محور الفلسفة والقيم
·
مدخل عام
يشكل التفكير في القيم إحدى المهام الأساسية
للفلسفة كخطاب وللفيلسوف كمنتج لهذا الخطاب. فليست الفلسفة منفصلة عن مشاكل الحياة
اليومية وأزمة القيم فيها كما يزعم البعض بحجة انها مغرقة في التأمل والتجريد،
لأنه حتى في أكثر الفلسفات تجريدا ومثالية نجد فيها انشغالا بالحياة الإنسانية في
أبعادها الأخلاقية والسياسية والجمالية…والعلة فيها بينة. فليس الفيلسوف متعاليا
يقطن في برج عاجي خاص به بل هو يسكن الموطن نفسه ويعاني الإشكالات نفسها التي
يعانيها باقي الناس. وبذلك تكون الفلسفة هي خطاب قيمي أو اضفاء للطابع القيمي على
الحياة الإنسانية، ولقد كانت هذه المهمة ولا زالت الأساس الفلسفي قديمه وحديثه
كونها ترتبط بشخصية الفيلسوف وبإلتزامه الفكري تجاه القيم الإنسانية وعليه نضع
التساؤلات التالية:
-
ما
علاقة الفلسفة والفيلسوف بالقيم؟
-
كيف يمكن
للفيلسوف أن ينتج خطابا قيميا حول المشاكل الإنسانية في حين أن تفكيره ذو طبيعة
تأملية؟
-
ماهي
القيم التي تثير اهتمام الفيلسوف ويدعو إليها؟
محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات هو موضوع
حديثنا عن التزام الفيلسوف اتجاه القضايا الجوهرية الإنسانية في قيمها الكونية
كالسلام ونبذ الحرب الحب. هو موضوع الحديث في المقطعين التاليين:
أولا: من أجل سلام دائم
· طرح إشكالي:
لطالما ساد الاعتقاد بأنه لا وجود للسلام إلا
بين الموتى أما الأحياء فهم محكومون بمنطق الصراع والحرب، فالحرب هي من ترفع قدر
البعض وتحط من قدر البعض الآخر وبالتعبير الهيراقليطي “الحرب أم الأشياء جميعها”
غير ان مثل هذا الواقع يجعل الإنسان يعاني من أخيه الإنسان. ومن تم فإن وضع السؤال
على الحرب يجعلنا نضع هذه القيمة موضع نقد خصوصا مع انتفاء المبررات للجوء الإنسان
لهذه الوسيلة التي يقتل فيها الإنسان أخاه في النوع، وعليه لم تكن الحرب قيمة
اخلاقية لافتقادها التبريرات التي تثبت بها نفسها. وهنا يأتي الخطاب القيمي
للفيلسوف عبر تأسيس قيم كونية تكفل استمرار النوع البشري وأقصد بذلك السلام الذي
شكل إحدى الاهتمامات الفلسفية للفيلسوف الألماني “ايمانويل كانط“.
·
تحليل
نص إيمانويل كانط ص 57
تعريف الفيلسوف إيمانويل كانط
إيمانويل كانط
(1742-1804) فيلسوف ألماني تعرف فلسفته بالمثالية الترونسدونطالية التي تربط عجلة
الوجود بالفكر استأثر تفكيره بمجموعة من الموضوعات كالمعرفة والدين والأخلاق
والسلام… عديد من المؤلفات من قبيل: نقد العقل الخالص. / نقد العقل العملي. / نقد
ملكة الحكم. / الدين في حدود مجرد العقل. / نحو سلام دائم.
البنية المفاهيمية
السلام: نقيض
الحرب وهو حالة من الهدنة والتعايش والسلم بين أفراد أو جماعات أو دول لا يتم فيها
اللجوء للعنف والسلاح وبالتالي القتل.
الحرب: حالة
من عدم الاستقرار والصراع بين أطراف متصارعة (دول، تكتلات إقليمية أو عالمية) تقوم
على استخدام جميع الوسائل الممكنة للانتصار.
الدولة: وحدة
قانونية لها سلطة وسيادة وشخصية معنوية تربط الحاكمين بالمحكومين في رقعة جغرافية
محددة بينهم روابط مشتركة.
حالة الطبيعة: مفهوم
ارتبط بفلاسفة العقد الاجتماعي وهي عبارة عن حالة افتراضية تفسر نشأة الدولة. كان
الإنسان فيها يتمتع بحريته بشكل مطلق غير أن الخوف والرغبة في تأمين حياته قادته
لإبرام عقد يتنازل بموجبه عن بعض أو كل حقوقه للسماح بقيام سلطة تنظم علاقة
الأفراد.
حرب الإبادة: هي
الحرب التي تتم بدوافع عرقية أو دينية، وتمتاز بأن الإبادة فيها تكون جماعية
للمخالف في الملة أو العرق.
الحرب التأديبية: حرب
تقوم بها دولة قوية ضد دولة ضعيفة لمجموعة من الاعتبارات السياسية أو الاقتصادية.
الإشكال الذي يجيب عنه النص:
-
كيف
يكون السلام أمرا ممكنا؟
-
إلى أي
حد يمكننا القول بأن منع الحرب وتقويض الأسس المؤدية إلى الحرب هو بمثابة إعلان
لإمكان قيام سلام دائم بين الدول؟
·
أطروحة
النص
إمكان قيام سلام دائم بين الدول مرهون بالحفاظ
على الثقة بين الأطراف المتحاربة عبر احترام أخلاقيات الحرب التي تسمح بعودة السلام،
وبمنع الوسائل المؤدية لها وبالتالي نزع المشروعية عن مفهوم الحرب كونه مفهوم يقال
على حالة الطبيعة.
·
أفكار
النص الأساسية
التأكيد على أهمية الحفاظ على الثقة في تأسيس
السلام بعد انتهاء الحرب.
نزع مشروعية الحرب لأنها مفهوم مرادف لحالة
الطبيعة التي يلجأ فيها الإنسان مضطرا للحرب كوسيلة للدفاع عن حقوقه في غياب
القانون.
الدعوة لمنع الوسائل المؤدية للحرب خصوصا منها
التي لا تسمح بعودة السلام كحرب الإبادة والحرب التأديبية.
·
البنية
الحجاجية للنص
-
وظف
الفيلسوف مجموعة من الأساليب الحجاجية لتأكيد أطروحته والتي يمكن أن نجملها في:
النفي: (لا
يمكن تصور حرب تأديبية بين الدول…)
المثال: (مثال
ذلك استخدام السفاحين وداسي السموم…)
التأكيد: (لا
بد أن تبقى الثقة…)
التعريف: (الحرب
ليست إلا الوسيلة البائسة التي يضطر الناس للجوء إليها…)
الاستنتاج:
(لهذا يجب إذن أن نمنع مثل هذه الحرب منعا باتا. وبالتالي…)
·
خلاصة
إن نصا مثل نص إيمانويل كانط هو إثبات لقضية
أساسية وهي أن الفيلسوف وخلاصته الفلسفية لا قيمة لها إذا لم تساهم في حل مشاكل
الإنسان وترسيخ قيم الحياة الإنسانية ذات الطابع الكوني التي تنبذ كل أشكال الحرب
والعنف فما دام الإنسان واحدا بالنوع فلا مبرر له للجوء إلى الحرب. ومن تم تكون
قيم الفيلسوف بمثابة ترجمة لتأمله الفلسفي. وهو ما يجسده إيمانويل كانط في نصه هذا
فقيمة السلام بما هي قيمة فلسفية كونية هي بمثابة تفكير وتأمل في عمق المشاكل
الإنسانية المطبوعة بالعنف والتي ينتهي فيها إلى ضرورة منع الحرب وإعلان سلام دائم
بين الدول.
ثانيا:
مستقبل الفلسفة
· تحليل نص أريك فايل «مستقبل الفلسفة"
· صاحب النص:
اريك فايل (1904-1972) فيلسوف ألماني درس
الفلسفة في فرنسا وأخذ الجنسية الفرنسية. من أشهر فلاسفة القرن 20،
ومن أهم أعماله "منطق الفلسفة".
· إشكالية النص:
أي مستقبل للفلسفة؟ هل هي قادرة على الاستمرار في أداء مهمتها؟ هل
هناك مستقبل زاهر ينتظرها أم أنها سوف تندثر مع الزمن؟
· أطروحة النص:
يدافع إريك فايل عن قيمة الفلسفة ودورها، مؤكدا أن لا خوف عليها في
المستقبل، مادامت تتسلح بأسسها المتمثلة في النقد ورفض السذاجة والقيم
السائدة. فهو يرى ان الفلسفة مساءلة للقيم الإنسانية تعمل على إتباع طريق
الشك. وعلى إيقاظ الأسئلة المكبوتة، وإيجاد مجموعة من الحلول للقضايا
المعاصرة.
· مفاهيم النص:
+ القيمة: في الفلسفة تعتبر جزء من الأخلاق، وهي ما يتيح لنا
تثمين شيء من الأشياء والحكم عليه.
+ السذاجة: هي بساطة التفكير والافتقار إلى الذكاء والحكمة.
+ المكبوتة: المقموعة التي لا يسمح لها بالظهور.
· أفكار النص:
1.يبين الفيلسوف أن الفلسفة ليست انكشافا لسر وإنما هي تضع جميع القيم موضع
تساؤل.
2.يؤكد إريك فايل أن الفلسفة توقظ الأسئلة الصعبة والمكبوتة وتواجه المشاكل
والصعوبات.
3.يبين الفيلسوف تفاعل وانتعاش الفلسفة في مواجهة الأزمات السياسية
والاجتماعية، مما يضمن لها مستقبلا زاهرا.
· حجج النص:
اعتمد إيريك فايل على العديد من الأساليب الحجاجية لجعل نصه مقنعاً
ومتميّزاً، ونذكر منها:
-
حجة الشرح والتفسير: تعريف الفلسفة بالسلب "ليست الفلسفة
انكشافا لسر..."
-
حجة
الاستدراك: لمّا قال "...بل هي على عكس".
-
حجة
نقد والدحض: نقد السذاجة واليقين في أفعال البشر...
-
أسلوب
التأكيد: لمّا قال "إن الفلسفة تنتعش".
-
روابط
استنتاج: هكذا... بهذا المعنى...
· تركيب:
يدافع إريك فايل عن رسالة الفلسفة وقيمتها، باعتبارها طريقا للفهم لمن
يرغب فعلا في ذلك: لأن كثير من الناس يختارون العيش في الأوهام اللذيذة بدل
مواجهة الحقائق المرة. هذه الرسالة التي تنبذ التعصب بكل أشكاله وأنواعه،
مستحضرا في النص الذي بين أيدينا أولئك الوثوقيين والمنغلقين على أفكارهم
التقليدية، ومثال المنفتحين الذين كسروا قيم عصرهم.
يقول إريك فايل "يمكن ان يتخذ المرء من الفلسفة موجها له، إذا
كان هدفه معرفة معنى أفعاله وبعبارة أخرى إّذا كان إذا كان يريد أن يكون عقلانيا".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق